فصل: تفسير الآيات (17- 18):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {حملته أمه كرهًا} قال: مشقة عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قال: {وحمله وفصله} بغير ألف.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوّج رجل منا امرأة من جهينة فو لدت له تمامًا لستة أشهر. فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فأمر برجمها. فبلغ ذلك عليًا رضي الله عنه. فأتاه فقال: ما تصنع؟ قال: و لدت تمامًا لستة أشهر وهل يكون ذلك؟ قال: علي رضي الله عنه: أما سمعت الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا} وقال: {حولين كاملين} [البقرة: 233] فكم تجده بقي إلا ستة أشهر؟ فقال عثمان رضي الله عنه. والله ما فطنت لهذا. علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها. وكان من قولها لاختها: يا أخيه لا تحزني فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره. قال: فشب الغلام بعدُ فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به. قال: فرأيت الرجل يتساقط عضوًا عضوًا على فراشه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: رفع إلى عمر رضي الله عنه امرأة و لدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال علي رضي الله عنه: لا رجم عليها ألا ترى أنه يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا} وقال: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] وكان الحمل هاهنا ستة أشهر. فتركها عمر رضي الله عنه. قال: ثم بلغنا أنها و لدت آخر لستة أشهر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي أتي بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك. فقلت لعمر: لا تظلم. قال: كيف؟ قلت: اقرأ {وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا} {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] كم الحول؟ قال: سنة. قلت: كم السنة؟ قال: اثنا عشر شهرًا. قلت: فأربعة وعشرون شهرًا حولأن كاملأن ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم. قال: فاستراح عمر رضي الله عنه إلى قولي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن عوف قال: رفعت امرأة إلى عثمان رضي الله عنه و لدت لستة أشهر. فقال عثمان: إنها قد رفعت إلي امرأة ما أراها إلا جاءت بشرّ فقال ابن عباس: إذا كملت الرضاعة كان الحمل ستة أشهر؟ وقرأ {وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا}.
فدرأ عثمان عنها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إذا و لدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع إحدى وعشرون شهرًا. وإذا و لدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا؛ وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين. لأن الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق رضي الله عنه: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك.
وأخرج ابن الجوزي في كتاب الحدائق بسند ضعيف عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال «إن الله أمر الحافظين فقال لهما رفقًا بعبدي في حداثته فإذا بلغ الأربعين فاحفظا وحققا».
وأخرج أبو الفتح الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا «من أتى عليه الأربعون سنة فلم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار».
وأخرج ابن حاتم عن مالك بن مغو ل قال شكا أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف فقال طلحة رضي الله عنه: استعن عليه بهذه الآية {رب أوزعني أن أشكر نعمتك} الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني} الآية فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعًا وإخوانه و و لده كلهم. ونزلت فيه أيضًا {فأما من أعطى واتقى} الآية [الليل: 5]. إلى آخر السورة.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {وأصلح لي في ذريتي} قال: اجعلهم لي صالحين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن الروح الأمين قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص بعضها من بعض. فإن بقيت له حسنة وسع الله له بها إلى الجنة» قال: فدخلت على يزدان فحدثت مثل هذا الحديث. قلت: فإن ذهبت الحسنة. قال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} الآية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال دعا أبو بكر عمر رضي الله عنهما. فقال له: إني موصيك بوصية أن تحفظها. إن لله حقًا لا يقبله بالنهار وحقًا بالنهار لا يقبله بالليل. إنّه ليس لأحد نافلة حتى يؤدي الفريضة. إنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقل ذلك عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل وخفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة لاتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم فيقول: أين يبلغ عملك من عمل هؤلاء. وذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم حتى يقول القائل أنا خير من عمل هؤلاء. وذلك بأن الله تعالى رد عليهم أحسن أعمالهم ألم تر أن الله أنزل آية الشدة عند آية الرخاء واية الرخاء عند آية الشدة ليكون المؤمن راغبًا لئلا يلقي بيده على التهلكة ولا يتمنى على الله أمنية يتمنى على الله فيها غير الحق. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال مجد الدين الفيروزابادي:
بصيرة في الاستقامة:
وقد ورد في التنزيل والسنَّة على أَربعة أَوجهٍ:
الأول: بمعنى تبليغ الرّسالة: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} وكذلك {فَادْعُ وَاسْتَقِمْ}.
الثَّاني: بمعنى الدّعاءِ. والدّعوة: {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا}.
الثالث: بمعنى الإِقبال على الطَّاعة: «اسْتَقيمُوا و لنْ تُحْصُوا».
الرّابع: بمعنى الثبات على التوحيد والشهادة: {إِنَّ الَّذِينَ قالواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ}.
والاستقامة يقال في الطَّريق الذي يكون على خَطٍّ مستقيم وبه شُبّه طريق الحقّ؛ نحو{اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} واستقامة الإنسان لزومُه للمنهج المستقيم. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

قال ابن القيم:
قوله تعالى: {حتى إذا بلغ أشده}.
قال الزجاج الأشد من نحوسبع عشرة سنة الى نحوالأربعين وقال ابن عباس في رواية عطاء عنه الأشد الحلم وهو اختيار يحيى بن يعمر والسدي وروى مجاهد عنه ستا وثلاثين سنة وروى عنه أيضا ثلاثين وقال الضحاك عشرين سنة وقال مقاتل ثمان عشرة وقد أحكم الزهري تحكيم اللفظة فقال بلوغ الأشد يكون من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرجال الى أربعين سنة قال فبلوغ الأشد محصور الأول محصور النهاية غير محصور ما بين ذلك فبلوغ الأشد مرتبة بين البلوغ وبين الأربعين ومعنى اللفظة من الشدة وهي القوة والجلادة والشديد الرجل القوي فالأشد القوي قال الفراء واحدها شدة في القياس ولم أسمع لها بواحد.
وقال أبو الهيثم واحدها شدة كنعمة وأنعم وقال بعض أهل اللغة واحدها شدة بضم الشين وقال آخرون منهم هو اسم مفرد كالأنك وليس بجمع حكاهما ابن الأنباري. اهـ.

.تفسير الآيات (17- 18):

قوله تعالى: {وَالَّذِي قال لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ ويلك آمن إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقول مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأولين (17) أولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ والإنس إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئًا به لكون المقام للإحسان. أتبعه المسيء المناسب لمقصود السورة المذكور صريحًا في مطلعها فقال تعالى: {والذي قال لوالديه} مع اجتماعهما كافرًا لنعمهما نابذًا لوصيتنا بهما فكان كافرًا بنعمة أعظم منعم محسوس بعد الكفر بنعم أعظم منعم مطلقًا. والتثنية مشيرة إلى أنه أغلظ الناس كبدًا. لأن العادة جرت بقبول الإنسان كلام أصله ولوكان واحدًا. وأن الاجتماع مطلقًا له تأثير فكيف إذا كان والدًا: {أف} أي تضجر وتقذر واسترذال وتكره مني و لغاتها أربعون- حكاها في القاموس. المتواتر منها عن القراء ثلاث: الكسر بغير تنوين وهو قراءة الجمهور. والمراد به أن المعنى الذي قصده مقترن بسفو ل ثابت. ومع التنوين وهو قراءة المدنيين وحفص والمراد به أنه سفو ل عظيم سائر مع الدهر بالغلبة والقهر. والفتح من غير تنوين وهو قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب. والمراد به اقتران المعنى المقصود بالاشتهار بالعلو والأنتشار مع الدوام. وقد تقدم في الإسراء عن الحرالي- وهو الحق- أن التأفيف أنهى الأذى وأشده. فإن معناه أن المؤفف به لا خطر له ولا وزن أصلًا. ولا يصلح لشيء بل هو عدم بل العدم خير منه مع أنهى القذر.
ولما كان كأنه قيل: لمن هذا التأفيف؟ قال: {لكما} ولما كانا كأنهما قالا له: لم هذا التقذير العظيم بعد الإحسان لا تقدر على جزائنا به. قال مبكتًا موبخًا منكرًا على تقدير كونه وعدًا: {أتعدانني} أي على سبيل الاستمرار بالتجديد في كل وقت {أن أخرج} أي من مخرج ما يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت ترابًا أحيى كما كنت أول مرة {وقد} أي والحال أنه قد {خلت} أي تقدمت وسبقت ومضت على سنن الموت {القرون} أي الأجيال الكثيرة من صلابتهم. وأثبت الجار لأن القرن لا ينخرم إلا بعد مدة طويلة. فالأنخرام في ذلك غير مستغرق للزمان فقال: {من قبلي} أي قرنًا بعد قرن وأمة بعد أمة وتطأولت الأزمان وأغلبهم يكذب بهذا الحديث فأنا مع الأغلب. وتأيد ذلك بأنه لم يرجع أحد منهم {وهما} أي والحال أنهما كلما قال لهما ذلك {يستغيثان الله} أي يطلبان بدعائهما من له جميع الكمال أن يعينهما بإلهامة قبو ل كلامهما. قائلين لو لدهما مجتهدين بالنصيحة له بعد الاجتهاد بالدعاء: {ويلك} كما يقول المشفق إذا زاد به الكرب وبلغ منه الغم. إشارة إلى أنه لم يبق له إن أعرض إلا الويل وهو الهلاك {امن} أي أوقع الآيمان الذي لا إيمان غيره. وهو الذي ينقذ من كل هلكة. ويوجب كل فوز بالتصديق بالعبث وبكل ما جاء عن الله. ثم عللا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره فقالا: {إن وعد الله} أي الملك الأعظم المحيط بجميع صفات المهابة والكمال الموصوف بالعزة والحكمة {حق} أي ثابت أعظم ثبات لأنه لو لم يكن حقًا لكان نقصًا من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه أقل العرب فكيف وهو يلزم منه منافاة الحكمة بكون الخلق حينئذ على وجه العبث لأنهم عباد ورعايا لا يعرضون على ملكهم الذي أبدعهم مع علمه بما هم عليه من ظلم بعضهم لبعض وبغي بعضهم على بعض {فيقول} مسببًا عن قولهما ومعقبًا له: {ما هذا} أي الذي ذكرتماه لي من البعث {إلا أساطير الأولين} أي خرافات كتبها على وجه الكذب الأولائل وتناقلها منهم الأعمار جيلًا بعد جيل فصارت بحيث يظن الضعفاء أنها صحيحة- هذا والعجب كل العجب أنه بتصديقه لا يلزمه فساد على تقدير من التقادير الممكنة. بل يحمله التصديق على محاسن الأعمال ومعالي الأخلاق التي هو مقر بأنها محاسن من لزوم طريق الخير وترك طريق الشر. وتكذيبه يجره إلى المرح والأشر. والطبر وأفعال الشر. ودنايا الأخلاق مع احتمال الهلاك الذي يخوفانه به وهولا ينفي أنه محتمل وإن استبعده فما دعوه إليه كما ترى لا يأباه عاقل ولكنها عقول كادها باريها.
ولما كان هذا الكلام. ومع بلوغ النهاية في حسن الأنتظام. وقد حصر الإنسان هذين القسمين مثلًا بليغًا لكفار العرب ومؤمنيهم. فالأول للمؤمنين التابعين لملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. الاتي بها أعظم أنبيائه الكرام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. والثاني للكفار المنابذين لأعظم آبائهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه نقلًا يتوارثونه من آبائهم. وقرآنا معجزًا كأنهم سمعوه من خالقهم أنه موحد لله مقر بالبعث محذر من غوائله. وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر مما كفروا فيه المنعمين واستحقوا كلتا السوءتين. خزي الدنيا وعذاب الآخرة. أخبر عنهم بما أنتجه تكذيبهم بموعود ربهم وعقوقهم لوالديهم حقيقة أوتعليمًا بقوله: {أولئك} أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير {الذين حق} أي ثبت و وجب.
ولما كان هذا وعيدًا. دل عليه بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم القول} أي الكامل في بابه بأنهم أسفل السافلين. وهذا يكذب من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر- رضى الله عنهما. فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة- رضى الله عنه- م أجمعين. فحقت له الجنة.
ولما أثبت لهم هذه الشنيعة. عرف بكثرة من شاركهم فيها فقال: {في} أي كائنين في {أمم} أي خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ويتبع بعضهم بعضًا {قد خلت} تلك الأمم.
ولما كان المحكوم عليه بعض السالفين. أدخل الجار فقال: {من قبلهم} فكانوا قدوتهم {من الجن} بدأ بهم لأن العرب تستعظمهم وتستجير بهم. وذلك لأنهم يتظاهرون لهم يؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم وتسلطهم عليهم ظاهرًا وباطنًا إلا القرآن. فإنه أحرقهم بأنواره وجلاهم عن تلك البلاد بجلي اثاره {والأنس} وما نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم. ثم علل حقوق الأمر عليهم أواستأنف بقوله مؤكدًا تكذيبًا لظن هذا القسم الذي الكلام فيه أن الصواب مع الأكثر: {إنهم} أي كلهم {كانوا} أي جبلة وطبعًا وخلقًا لا يقدرون على الأنفكاك عنه {خاسرين} أي عريقين في هذا الوصف. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَالَّذِي قال لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي}.
اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه في الآية المتقدمة. وصف الولد العاق لوالديه في هذه الآية. فقال: {والذي قال لوالديه أُفّ لَّكُمَا} وفي هذه الآية قولان الأول: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر. قالوا كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى. وهو {أُفٍّ لَّكُمَا} واحتج القائلون بهذا القول على صحته. بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ليزيد. قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية. أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه {والذي قال لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا}.
والقول الثاني: أنه ليس المراد من شخص معين. بل المراد منه كل من كان موصوفًا بهذه الصفة. وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق فأباه وأنكره. وهذا القول هو الصحيح عندنا. ويدل عليه وجوه الأول: أنه تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني بقوله: {أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين} ولا شك أن عبد الرحمن امن وحسن إسلامه. وكان من سادات المسلمين. فبطل حمل الآية عليه. فإن قالوا: روي أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت. قال: {أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ} من القبر. يعني أبعث بعد الموت {وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي} يعني الأمم الخالية. فلم أر أحدًا منهم بعث فأين عبد الله بن جدعان. وأين فلان وفلان؟ إذا عرفت هذا فنقول قوله: {أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول} المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله. وهم الذين حق عليهم القول. وبالجملة فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله: {وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي} لا إلى المشار إليه بقوله: {والذي قال لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا} هذا ما ذكره الكلبي في دفع ذلك الدليل. وهو حسن والوجه الثاني: في إبطال ذلك القول. ما روي أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت وقالت: والله ما هو به. ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه الوجه الثالث: وهو الأقوى. أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة. ووصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية. وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق. وهو الإقرأر بالبعث والقيامة أصر على الأنكار وأبى واستكبر. وعو ل في ذلك الأنكار على شبهات خسيسة وكلمات واهية. وإذا كان كذلك كان المراد كل و لد اتصف بالصفات المذكورة ولا حاجة ألبتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين. قال صاحب (الكشاف): قرئ {أُفّ} بالفتح والكسر بغير تنوين. وبالحركات الثلاث مع التنوين. وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر. كما إذا قال حس. علم أنه متوجع. واللام للبيان معناه هذا التأفيف لكما خاصة. ولاجلكما دون غيركما. وقرئ {أَتَعِدَانِنِي} بنونين. وأتعداني بأحدهما وأتعداني بالإدغام. وقرأ بعضهم: أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرين والياء. ففتح الأولى تحريًا للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أحدهما.